ابن عجيبة

20

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

« محمد بن المهدى » كان رجلا صالحا ، لا يجلس في الغالب إلا وحده ، فقيرا من الدنيا ، يبت يقرأ القرآن . توفى رحمه الله سنة « 1196 ه » - « 1 » . نشأته العلمية : نشأ الشيخ ابن عجيبة في بيت صلاح وتقوى ، وأقبل على حفظ القرآن وهو في سن مبكرة ، وقد تميز الشيخ بالقدرة على التركيز العلمي ، وتوقد القريحة ، ورحل إلى مدينة القصر الكبير ، وأقام فيها نحوا من عامين ، اجتهد خلالهما في تحصيل العلم ، حتى قال عن نفسه : ( أهملت نفسي ، ونسيت أمرها ، وكنت أقرأ سبعة مجالس ، بين الليل والنهار ) « 2 » . ولم يقنع الطالب بما حصّل في مدينة القصر الكبير ، بل زاده شغفا في القدوم إلى تطوان ، وهي موئلا للعلم والحكمة ، ومهبط كثير من العلماء ، فقدمها ابن عجيبة وهو ابن العشرين ، وأقام فيها ، وأقبل على تحصيل العلم في شتى الأبواب بكل جد ، وتنوعت مجالسه بين أئمة الفقه ، والتفسير ، والحديث ، واللغة ، والنحو ، والصرف ، والمنطق ، أقبل على هؤلاء وهؤلاء ، يستمع منهم ، ويقرأ عليهم ، ويأخذ عنهم ، وأقبلوا عليه يعطونه كل ما عندهم ؛ لما وجدوا فيه من حسن الإعداد والاستعداد ، فواصل الليل بالنهار . وسرعان ما ظهرت ثمار هذا الجد والاجتهاد ، فلم يبلغ شيخنا تسعا وعشرين سنة ، حتى بزغ نجمه وعلا شأنه ، وجلس للتدريس في مساجد تطوان ومدارسها ، ولكن ذلك لم يمنعه من مواصلة العلم في مظانه ، فالظمآن إلى المعارف لا يرتوى مهما نهل ، ولعله كلما نهل استطاب العلم فازداد إليه ظمأ ، والعلم ليس له نهاية له وليس له حدود . يقول شيخنا بعد جلوسه للتدريس : ( فكنت في العلم الظاهر نتعلم ونعلّم فما تركت العلم قط بعد التصدر للتعليم ، نعلم من تحتنا ونأخذ عمن فوقنا ) « 3 » . ولهذا شدّ الرحال إلى فاس ، وهو في سن الأربعين ، فسمع من علمائها ، وأخذ عنهم ، وقد توفر له فيها أساطين العلم في مختلف الفروع ، فأخذ علم الحديث عن محدث عصره ( التاودى بن سودة ) ، ودرس التفسير والفرائض واللغة ، ومكث كذلك سنتين ، عاد بعدهما إلى تطوان ليتابع تدريسه وتأليفه . يتحدث رضى اللّه عنه عما حصّله من علوم ، فيقول : و ( الذي حصّلناه من علوم الأذهان ( العقلية ) : علم المنطق ، والكلام على مذهب أهل السنة ، والمهم من علم الهيأة ( الفلك ) ، ومن علم الأديان : علوم القرآن ، خصوصا التفسير . . وحصّلنا الفقه بأنواعه ، وأصول الفقه ، وأصول الدين ، وحصّلت أيضا علم الحديث ، وعلم السير ، وعلم المغازي ، والتاريخ ، والشمائل ، ومن علم اللسان : علم اللغة والتصريف ، والنحو ، والبيان ، بأنواعه ، أما التصوف ؛ فهو علمي ومحط رحلي ، فلى فيه القدم الفالج ، واليد الطولى ) « 4 » وهكذا كان حظه من ثقافة عصره حظا وافرا ، فقد أحاط بسائر علوم وقته ، وانعكس ذلك على تفسيره ، فجاء بحره مرآة لثقافته الواسعة .

--> ( 1 ) المصدر السابق ص 23 . ( 2 ) الفهرسة / 29 . ( 3 ) الفهرسة 76 . ( 4 ) الفهرسة / 101